الشيخ محمد رشيد رضا
144
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تكمل لهم الفائدة والموعظة ، لأنهم يتجنبون ويتقون نتائج الاهمال التي يظهر لهم أن عاقبتها ضارّة . فليزن مسلمو هذا الزمان إيمانهم واسلامهم بهذه الآيات ولينظروا أين مكانهم من هدايتها ، وما هو حظهم من موعظتها ؟ أما انهم لو فعلوا فبدأوا بالسير في الأرض لمعرفة أحوال الأمم البائدة وأسباب هلاكها ، ثم اعتبروا بحال الأمم القائمة وبحثوا عن أسباب عزها وثباتها ، لعلموا أنهم أمسوا من أجهل الناس بسنن اللّه ، وأبعدهم عن معرفة أحوال خلق اللّه ، ولرأوا أن غيرهم أكثر منهم سيرا في الأرض ، وأشد منهم استنباطا لسنن الاجتماع ، واعرق منهم في الاعتبار بما أصاب الأولين ، والانعاظ بجهل المعاصرين ، فهل يليق بمن هذا كتابهم ؛ ان يكون من يسمونه بسمة العداوة له أقرب إلى هدايته هذه منهم ؟ ؟ كلا إن المؤمن بهذا الكتاب هو من يهتدى به ويتعظ بمواعظه ولذلك جعل الهداية والموعظة من شؤون المتقين الثابتة لهم . والمتقون هم المؤمنون القائمون بحقوق الايمان ، كما قال في أول سورة البقرة « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ » الخ وقد مر وصف المتقين وذكر جزائهم في الآيات التي قبل هاتين الآيتين . وهذا التعبير أبلغ من الأمر بالهدى والموعظة وهو يتضمن الأمر بالثبات فيه والحث على المحافظة عليه لأنه قوام التقوى التي هي قوام الايمان ولذلك قال بعده : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) الوهن الضعف في العمل وفي الأمر وكذا في الرأي . والحزن ألم يعرض للنفس إذا فقدت ما تحب أي لا تضعفوا عن القتال وما يلزمه من التدبير بما أصابكم من الجرح والفشل في أحد ولا نحزنوا على من قتل منكم في ذلك اليوم ، ويصح أن يكون هذا النهى إنشاء بمعنى الخبر ، أي إن ما أصابكم من القرح في أحد ليس مما ينبغي أن يكون موهنا . لامركم ومضعفا لكم في عملكم ولا موجبا لحزنكم وانكسار قلوبكم ، فإنه لم يكن نصرا تاما للمشركين عليكم وانما هو تربية لكم على ما وقع منكم من مخالفة قائدكم صلّى اللّه عليه وسلّم في تدبيره الحربي المحكم وفشلكم وتنازعكم في الأمر وذلك خروج عن سنة اللّه في أسباب الظفر ، وبهذه التربية تكونوا أحقاء بأن لا تعودوا إلى مثل